جلال الدين السيوطي
240
همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو
لا أمنع من ذلك ، وشرط الرفع أيضا أن يكون ما بعدها فضلة ، فلو كان واقعا خبر المبتدأ أو خبر كان أو نحوهما وجب نصبه نحو : كان سيري حتى أدخلها ؛ لأنه لو رفع كانت حتى حرف ابتداء فيبقى المخبر عنه بلا خبر ، وأجاز الكسائي رفع المستقبل إذا كان غير مسبب عما قبل نحو : سرت حتى تطلع الشمس ، ونصب الحال إذا كان مسببا عما قبل وجوزه في قول حسان : « 1017 » - يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ورد بعدم السماع وبمخالفته للقياس بأن النواصب من مخلصات المضارع للاستقبال . ويتعين النصب عند سيبويه والأكثرين بعد فعل غير موجب وهو المنفي وما فيه الاستفهام وقلما نحو : ما سرت حتى أدخل المدينة وقلما سرت حتى أدخلها ، إذا أردت بقلما النفي المحض ، وأسرت حتى تدخل المدينة ؟ وإنما لم يجز الرفع ؛ لأنه على معنى السببية للأول في الثاني والأول منفي لم يقع ، فلا يكون نفي السبب موجبا لوجود مسببه ، وخالف الأخفش فجوز الرفع على أن أصل الكلام موجب وهو سرت حتى أدخل المدينة ، ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره فنفت أن يكون سير كان عند دخول ، فكأنك قلت : ما وقع السير الذي كان سببا لدخول المدينة ، واتفقوا على أن الرفع في ذلك غير مسموح وإنما أجازه الأخفش ومن تبعه قياسا ، ولو أريد بقلما التقليل لا النفي فكذلك عند سيبويه ، وجوز أبو علي والرماني وجماعة الرفع بعدها . وذهب طائفة من القدماء إلى امتناع الرفع أيضا بعد ( كثر ما ) و ( طالما ) و ( ربما ) نحو : كثر ما سرت حتى أدخلها ، وطالما سرت حتى أدخلها ، وربما سرت حتى أدخلها إلحاقا لها بقلما ، إلا أن السير لما كان مجهول العدد غير معلوم المراتب صار بمنزلة ما ليس بواجب ، وعارضه سيبويه بقولهم : مررت غير مرة حتى أدخلها ؛ لأنهم كانوا يجيزون الرفع في هذه المسألة ، وفيه ( غير مرة ) الذي من أجله صار السير عندهم ليس معلوما ، وحكى الجرمي في ( الفرخ ) أن من العرب من ينصب بحتى في كل شيء ، قال أبو حيان : وهي لغة شاذة .
--> ( 1017 ) - البيت من الكامل ، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص 123 ، وخزانة الأدب 2 / 412 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 69 ، وشرح شواهد المغني 1 / 378 ، 2 / 964 ، والكتاب 3 / 19 ، ومغني اللبيب 1 / 129 ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 3 / 562 ، 3 / 301 ، انظر المعجم المفصل 2 / 762 .